بداية ...
في أول محاضرة في علم الأحجار الكريمة، , وقف أمامي الدكتور البلجيكي (فيليب)، وسط صمتٍ خيّم على جميع الطلّاب.
مدّ يده المُجعّدة إليّ، وهو يحمل ياقوتةً حمراء.
ينظر إليّ بعينيه الصغيرتين، و ذقنه المترهّلة تُغطّي أعلى ربطة عنقه الزرقاء.
قال بلغته الأنقليزية و بلهجته الفرنسية: «أخبرني بقِصة هذا الحجر.»
أخذت الحجر وتأملت تفاصيله.
رفعت رأسي وقلت: «لا أعلم»
ابتسم، فارتفعت تجاعيد خدّيه قليلًا، وكأنها أمواج بحر.
رفع رأسه وقال بصوتٍ جهوري:
«قِصة هذا الحجر عمرها ملايين السنين، من يعرفها؟»
وسط صمت الجميع،
أردف قائلًا:
«لا أحد يعلمها، ولكن نستطيع أن نرى أثرها.»
ما زلتُ أحفظ كلماته، وكأنني سمعتها لتوّي، ولكن ماذا كان يعني بذلك؟
بدأت حكايتي مع المجوهرات في سن العاشرة مع والدي، لا زلت أراه وهو يقف وحيدًا في زاوية معرضه وسط الرياض.
صورتهُ لا تُحمى من ذاكرتي وهو يصف الأساور وكأنها جنود له في هذه الحياة.
كنت أقف إلى جانبه وأعطيه تلك الأساور وهو يضعها داخل الطاولة الزجاجية.
كنت أتفحّص القطع خِلسة… واليوم أفعل ذلك صراحة.
كنت أنظر إليها باستغراب… واليوم أتأملها بحب.
يد (فيليب) أعادة لي مشهد أبي.
شعرت أن تلك الياقوتة، هي الشرارة التي أعادة فضولي!
وبدأت معها رحلتي الحقيقية.
درستُ علم الأحجار الكريمة.
تقييم الألماس.
التصميم.
ثم دخلت مصانع العالم؛ بدأت من الهند وبلجيكا، مرورًا بالصين وإيطاليا وإسبانيا وأمريكا وغيرها.
و حملت راية والدي، التي رفعها عام 1964، وعاهدته ألا تسقط، وأن تصل إلى العالم أجمع.
أدركت أن الحكاية ليست مجرد قطعة مجوهرات!
بل معاناة تبدأ باستخراج الحجر من قلب الأرض، ثم تُصقل بيدين عاريتين، لتستقر بعد ذلك في يد من يستحقها.
و أيقنت أن الياقوتة التي كانت في يد (فيليب) لها حكايةٌ جميلة،
ولكن لم يرويها أحد …
معاناةٌ لم يرها أحد …
وتجربةٌ لم يُوثّقها أحد …
قررت توثيق تلك القصة، بأن أصنع مجوهرات تحكيها، وتحمل معنىً، لكل من يمتلكها.
مجوهرات فهد السمحان
حكايةٌ لا تنتهي…